إنهم يقتلون الحلم!
عقب تنحي مبارك كنت أرى المجلس العسكري هو خير من ينقل مصر من مرحلة الظلم و الإستبداد التي كنا نعيشها إلى الجمهورية الثانية التي سيسود فيها روح العدل و المساواة و الديمقراطية، كنت ساذجاً كما الكثيرين، إعتقدت أن المجلس سيلتزم بالستة أشهر التي وعد بها لتسليم السلطة، و إعتقدت أنه بعد أن حيا شهداء ثورتنا المجيدة سيحاكم قاتليهم و يقتص لهم لتهدأ النفوس و تبرد حرقة دماء أمهاتهم، إعتقدت أنهم سيحترمون الشعب و الثورة، و يتعظون بما حدث لمبارك، حتى أنني ظللت أصدق المجلس العسكري في كل ما يقول بشكل أعمى من يوم التنحي و حتى ما قاله عن ضباط 8 إبريل، و لكن ما حدث طوال الشهور الماضية كان كفيلاً بأن أدرك أننا إنتهينا من عصر النضال ضد نظام مبارك لندخل عصر النضال الجديد ضد المجلس العسكري الذي كشّر عن أنيابه ليظهر وجهه الآخر، وجه مبارك!
دعوني أقول لكم أن أسلوب التفكير العسكري لا يقبل الخلاف و لا يقبل الثورات ولا يؤمن بقدرات الشعب ولا المشاركة ولا الديمقراطية، هذا طبيعي أن يكون ما يحدث داخل الجيش فالنظام المتبع في الجيش ببساطة نظام رأسي حيث لا توجد رتبتين بجانب بعضهما البعض و لكن هناك رتب فوق بعضها البعض كل يتلقى أوامر ممن فوقه، و هذا هو الأسلوب الذي أصبحت تدار به مصر من بعد إنقلاب 52 إلى الآن، هذا النظام بطبيعة الحال يعتبر كل من يعارض أمر متهم بالخيانة العظمى و يجب إما إعتقاله أو قتله!
في حالة ثورتنا و طبقاً للموروثات القديمة في عقلية العسكر فقد رأوا الثورة هي مؤامرة كبيرة على مصر، الغرض منها هو إسقاط الثلاث مؤسسات الرئيسية التي تربط زمام الدولة و هم الشرطة و الجيش و القضاء، هذه هي الرؤية التي أعتقد أن المجلس يراها و يتصرف بناءاً عليها، و عندما قام الشعب في 25 يناير رأى المجلس أن عليه أن يحتوي الثورة و علم أن مبارك ورقة و إحترقت و أن الشعب يكرهه و أن رحيل مبارك سواء عن الحكم أو الحياة كان وشيكاً و بالتالي رأوا أن ينحوه ليكسبوا تعاطف الشعب و عندها يستطيعوا إحتواء هذه (المؤامرة) أو محاولة (قلب نظام الحكم) التي كانت على وشط أن تسقط فيها مصر كما يعتقدون!
هذه هي الطريقة التي كانت تدار بها مصر طوال عقود مضت، و هي نفس الطريقة التي كان يتعامل مبارك مع أي مظاهرات معارضة حيث يقوم بإستغلال وسائل الإعلام لتصويرهم كخونة و عملاء و بلطجية (و كله بالأدله!)، ثم يستخدم أجهزة أمن الدولة (المحاكمات العسكرية) لإرهاب معارضيه و إعتقالهم و تعذيبهم تحت مسمى (حماية هيبة الدولة)!.. وفي الواقع نحن لا زلنا نتعامل مع هذه العقلية المريضة و العجوزة التي ترى الشعب قاصر و الشباب أهوج و الثوّار عملاء!
و من هنا دعونا نعيد ترتيب أفكارنا، فطبقاً للإحصاءات فقد شارك في الثورة حوالي 20,000,000 مصري و مصرية خرجوا في كل ميادين مصر على إتساع أراضيها، و هذا مجرد إحصاء لمن شاركوا بالفعل في الشارع و لو إفترضنا أن كل منهم كان يؤيده مواطن واحد آخر و لكنه لم يستطع النزول للشارع فالمؤمئنون بالثورة الآن 40,000,000 مصري، و يتبقى نصف الشعب على أسوأ تقدير كنسبة لم تفعل شيء سوى الإحتفال يوم 11 فبراير برحيل مبارك، و هؤلاء هم في الواقع من يلعب المجلس و الإعلام على عواطفهم و يتلاعب بهم ليؤكد دائماً أنه يحصل على تأييد شعبي!
المجلس العسكري يدعي أنه إستمد شرعيته من الإستفتاء و هذا كلام قد يكون صحيح قانوناً بما أنه أسقط الدستور القديم الذي لم يكن للمجلس العسكري وجود فيه و قام بعمل إستفتاء على تعديلات دستورية لم يعمل بها و إنما أطلق إعلان دستوري جديد وضع نفسه فيه محل السلطة التشريعيه و التنفيذيه، و لكن الحقيقة التي لا جدال فيها هو أن المجلس العسكري كان قد إستمد شرعيته من الثورة و الثوّار و هو ما يعطيهم هم حق نزع هذه الشرعية!
عندما سقط مبارك إكتشفت بعدها بعدة أشهر أن مبارك لم يكن إلا جزء من العسكر و عندما سقطت الداخلية إكتشفت بعدها أنهم لم يكونوا إلا تلامذة العسكر في القتل و التعذيب و إهانة كرامة الشعب المصري، و بدا هذا جلياً في تعامل المجلس معنا على طول الشهور الماضية فكل شهر تقريباً يحدث أن يشتبك الجيش أو الشرطة العسكرية مع المتظاهرين دون معرفة حقيقية لسبب هذا الإشتباك (لاحظ أن كل التحقيقات لم تصل إلى نتيجة أو تعثر على الأيادي الخفية!) و بغض النظر عن السبب هناك حقيقة تقول إن الشرطة العسكرية أو الجيش صوبوا فوهات مسدساتهم إلى الشعب المصري و قتلوا منهم أبرياء و حقيقة أخرى تقول أن الداخلية ظلت تدك في المتظاهرين بشكل مؤلم و مأساوي لمدة أسبوع متواصل في شارع محمد محمود على مرأى و مسمع من المجلس و لم يتدخل لحماية المصريين من هذا الظلم أو حقن دماءهم!
لكم كنت أتمنى أن يكون المجلس حريصاً على كل نقطة دم مصرية طوال هذه الفترة التي بقي فيها في السلطة و لكنه و للأسف أصبح أسوأ من مبارك و أكاد أقسم أن مبارك لم يكن ليقتل كل هذا العدد من المصريين خلال سنة واحدة، ولا زلت أرى أن كل مصري يقتل أو يجرح فالمسئول عنه أمام الله هو المجلس بكل أعضاءه!
خلاصة القول هو أن هذه الثورة قامت لحلم، حلم إقامة دولة مصر الديمقراطية العادلة المتقدمة التي تحافظ على كرامة الشعب و ترعى مصالحه و تؤمن بقوته، حلم إقامة دولة لا نهان فيها ولا نقتل و نموت بلا ثمن، ولا نعتقل لآراءنا السياسية و لا معارضتنا للسلطة، دولة مصر التي لا تخوّن المعارضين و تستأجر المؤيدين، وما يحدث ببساطة هو أن المجلس العسكري يقتل هذا الحلم كل يوم، و حذاري من قتل أحلام الثوّار!
دمتم في أمان الله.
عدد التعليقات: 2
التعقيبات
عيون صديقة
- الشرق للبرمجيات
- مدونة أحمد
- مدونة أحمد توك
- مدونة أحمد حمودة
- مدونة أيام
- مدونة الخطط العفوية المبدعة
- مدونة المحفوظ
- مدونة المعاصر
- مدونة بدون عنوان
- مدونة حسام الأخرس
- مدونة رامي
- مدونة رقمي
- مدونة زووون
- مدونة شخص
- مدونة عبدالرحمن علي
- مدونة عبيد الكعبي
- مدونة عطر الكلام
- مدونة عمرو
- مدونة فكّر
- مدونة كمونة
- مدونة محمد اونلاين
- مدونة منشور لايف























ربنا يسترها على مصر مصر و اهلها
الله يسترها على مصر