عندما نستحق الحرية !

شارك

كلما شاهدت فيلم (BraveHeart) يبقى المشهد الأخير دائماً عالقاً في ذهني، ذلك المشهد عندما يُعلّق البطل و يعذب بأشد أنواع التعذيب و بمنتهى القسوة أمام الآلاف، و بين كل ضربة و ضربة يطلب منه جلاده أن يطلب الرحمه من الملك، فيمتنع البطل عن الكلام، حتى آخر مشهد تماماً (ذلك المشهد الذي يؤلم أي رجل يشاهده !) فيبدأ الناس في الصراخ مشجعينه على طلب الرحمة، فينطق البطل أخيراً و يشهق شهقة طويلة و يخرج بعدها آخر كلمة قبل أن تقطع رأسه .. الــحــريــة !

حرية

المشهد السابق على الرغم من كونه واحد من أكثر المشاهد درامية في تاريخ السينما على الإطلاق و برأيي أن Mel Gibson لو عاش حياته كلها فإنه لن يستطيع تكرار مشهد مشابه أبداً، إلا أن المشهد يحمل في طياته معنى و عبرة كبيرة جداً، يمكن أن نلخص المشهد كله في جملة واحدة (ستستحق الحرية، عندما تكون مستعداً للموت في سبيلها) !

في نقاش مع والدتي، أخبرتها أنني أرى أن جيلهم برأيي واحد من أكثر الأجيال التي تسببت في في حالتنا هذه، أولاً من حيث تخلفنا بشكل عام في كافة مجالات الحياة، و ثانياً من حيث عيشنا تحت سطوة الظلم و الإستبداد الذي نعيش تحته، و أنا لا أحاول أن ألقي اللوم على غيري و لكن هذا حقاً ما أراه، فأغلبنا تربينا على إزدواجية غريبة جداً سأحاول تلخيصها في السطور القادمة، فالمشكلة الحقيقية لكل ما نعيشه اليوم هو إزدواجية الأخلاق التي تربينا عليها، بمعنى آخر يمكن أن نسميها مبدأ الأمن و السلامة أولاً !

أغلبية البيوت المصرية المتوسطة مثلاً تربت على مكارم الأخلاق و الإحترام و تربت دينياً جيداً و أغلب أبناء هذه الطبقة أشخاص محترمين و مثقفين و متدينين، و لكن المشكلة الحقيقية هي أن كل هذا وضعه أباؤنا في كفة، و مواجهة الظلم و الإستبداد في كافة، فتجد مثلاً الأب إذا تكلم في أمور السياسة تسمع منه آراء رائعة و لكنه لا ينسى أن ينبهك في النهاية أن هذا الكلام لا يخرج من البيت :) ، و يستحسن ألا تتكلم فيه نهائياً، نفس الأمر يتكرر مع مواضيع التعبير و الإنشاء مثلاً بالنسبة إلي كنت أعلم في إمتحان اللغة العربية أنني كلما بالغت في مدح جهود الرئيس في النهوض بالأمة و دوره القيادي في العالمين العربي و الإسلامي و جهوده في دعم الشباب الذين هم عماد الأمة، فكلما سأحصل على درجة أعلى بإذن الله !

كل هذا برأيي أنه ولد لدينا نوع غريب من إزدواجية المعايير، جعلتنا نتقوقع داخل أنفسنا، نعلم في داخلنا أن الوضع الذي نعيشه هو ليس على ما يرام و أن هناك خطأ ما يقع و يحدث، و لكننا في ذات اللحظة نتظاهر بأن كل شيء على ما يرام و أنه لا يوجد أفضل من وضعنا الحالي، جعلنا هذا نتنازل عن حريتنا و حقوقنا و كرامتنا و نهدرها في سبيل المزيد من الأمان، و جعلنا نعتقد أننا طالما نحن ملتزمين أخلاقياً و دينياً فإن هذا هو أقصى ما على الإنسان فعله و أن عليه أن يعيش حياة هادئة، يتخرج و يعمل و يتزوج و ينجب و تستمر الحياة.

المشكلة أننا نسينا تماماً، أن من أسمى الأخلاق هي أن يملك الإنسان حريته و كرامته و إحترامه في وطنه، و أن الله نهانا عن العبودية لغيره، و أن الله أمرنا ألا نطيع حاكماً ظالماً، و ألا نخشى في الحق لومة لائم حتى و لو كان ملكاً أو مسئولاً، بالله عليكم أين نحن من عمر بن الخطاب عندما قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم: ألسنا على الحق ؟ .. أليسوا على الباطل ؟!

على كل إنتهى النقاش مع أمي بجملة أخيرة قلتها، أنا معنديش إستعداد إن ولادي يطلعوا يلاقوا الوضع على ما هو عليه، و مع كامل إحترامي لآباؤنا و أجدادنا إلا أنني لا زلت آراكم أخطأتم، أخطأتم عندما بالغتم في خوفكم علينا، و أخطأتم عندما غرستم فينا أنه لا أمل من أي شيء قد تسول لنا أنفسنا فعله لأن الوضع لا و لن يتغير، أخطأتم في حقنا و في حق الوطن !

دمتم في أمان الله.

=======================

المشهد الأخير من فيلم BraveHeart لمن أراد مشاهدته

=======================

[عدد التعليقات: 25] [عدد مرات القراءة : 3,190] [ عدد الكلمات: 657 كلمة.] [التصنيف: عين الاجتماع]
عن كاتب المقال:
،كاتب و رئيس تحرير المدونة، طالب بالسنة الأولى بقسم الهندسة المدنية في هندسة القاهرة، مصري الجنسية، من مواليد 1992 مـ، و بدأ التدوين منذ عام 2008، مهتم بمناقشة القضايا الإجتماعية و السياسية الراهنة.

عدد التعليقات: 25

  • أتفق معك، لكن ليس كل الخطأ يصب على الآباء، فالآباء بدورهم منعوا أبناءهم من هكذا مواضع نظرا لما كانوا يعاينونه في محيطهم من إعتقالات و غيرها.. لكن كما قلت، “لائم حتى و لو كان ملكاً أو مسئولاً”

    • أقدر خوفهم بالطبع، و لكن الخوف لا يعطي إلا القوة للظالم، للأسف المعادله صعبة و أنا أعلم هذا جيداً !

      شكراً لك، تقبل فائق إحترامي.

  • عندك حق أ/يحيي وكنت قرات مقالة لعلاء الأسوانى من قبل تدور حول نفس النقطة وهى اننا تربينا على السلبية والنفاق من صغرنا
    المقالة: http://www.shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=243458

    هل ممكن عمل زر Like للفيس بوك ووضعه فى مدونتك ؟ فهو افضل من زر Share بالنسبة لى. او يمكنك وضع كلاهما.

    • علاء الأسواني أصبح واحد من أفضل الكتاب الذين يلهمونني مؤخراً لن أكذب عليك، حزنت كثيراً عندما منعت مقالاته من جريدة الشروق.

      بالنسبة لزر Like، طلباتك أوامر، سيتمر إضافة الزر في أقرب فرصة إن شاء الله طالما أنك تريده.

      تقبل فائق إحترامي.

      • تم إضافة الزر، يمكنك تجربته الآن …

  • تقريبا الموجود في مصر . موجود في كثير من الدول العربية ، وقد يتكلم المواطن بشيء لا يقصد به إلا خيرا . ولكن الكلاب المسعورة تبحثه عن المشاكل ولو في القاذورات . فيلقون القبض على المواطن المسكين وينكلون به . بحثا عن ترقية أو علاوة أو نواط شجاعة !!
    وهذا برأي سبب الذعر الذي تتحدث عنه .
    ولا حول ولا قوة إلا بالله

    بالمناسبة .. هل لو جئت مصر واستوطنت فيها . ورشحت نفسي بالانتخابات . هل ستنتخبونني ؟؟؟؟
    لأن أي حاكم يمكنه قيادة العالم بشعب مصر !!!

    :)

    • المشكلة ليست في أن ترشح نفسك، المشكلة أنك لن تنجح و لو اجمع الشعب المصري كله على أنك الرئيس !! .. أتفق معك في مسألة أن أي حاكم يمكنه قيادة العالم بشعب مصر …

  • والله يا حسن على الرغم من أبائنا واجدادنا كانوا غير متعلمين الا انهم كانوا فاهمين على الفطرة ولكن الخوف امر مرفوض..وانا رايى ثابت فى هذا الامر وهو الصبر والطاعة على ولاة الامر ما لم يؤمرونا بمعصية..فأن أمرونا بمعصية فلا سمع ولا طاعة..
    يعنى مثلاً اذا امرونا بحلق اللحية نقول لا حتى ولو موتونا وعذبونا لانها من امر رسول الله وقد وصلت لحد الفرض..
    اذا امرونا بعدم الصلاة نقول لا …اذا امرونا بترك الدين نقول لا..اذا امرونا باسبال الثياب نقول لا…اذا امرونا بالفحش نقول لا …حتى ولو كلف ذلك الموت مادمت تدافع عن الدين وعن الحق..
    لكن اذا فعلوا خطأ يخص أدارة شئون البلاد ليس علينا نحن الشعب النقد والسب والقذف والمظاهرات والاحتجاجات لأن هذا لم يكن من هدى السلف الصالح..حتى لا تكون فتنة ..وهو اشبة بجحا يشغل الساقية ويرمى فى البحر….
    ولكن من يوجة لهم النصيحة علماء الامة ومستشاريهم ومن على دراية كافية ومعلوم ان يصل صوتة بدون تحريف او تضليل..
    اما نحن فليس من حقنا النقد وهذا يثير فتنة عند العوام الجهال الذين تدفعهم العاطفة اكثر من التفكير فى مدى صدق الكلام…
    ولدى احاديث نبوية كثيرة على ما اقول..وان شئت ارجع الى شرح رياض الصالحين للشيخ بن عثيمين-رحمة الله…باب ولاة الامر…واذهب الى السياسة الشرعية…

    وكلمة أريد ان أوجهها أليك “نصيحة لله”أبحث فى رأى الأخر وأستمع لة وتستطيع ان تعرف الحق مادام مما امرنا الله ورسولة وعلى فهم من سلف الامة..

    • سأرد عليك في تدوينة منفردة …!

      شكراً لمرورك.

    • إلى الاخ مؤمن . . أحب اقولك . . بللم بللم بللم . . لبمبم بلمبم بلالا لم لم .
      بس كده.

  • أجبرتني على أن أعود لأشاهد لقطة النهاية لويليام والس .. :)

    تلخيصاً لكل ماقلته، أنا دائماً ما أقول أن المشكلة في حياتنا وتربيتنا وسياسة دولنا أنها متناقضة ..
    تدعو لشيء ثم تشجع نقيضه ..!!

    هذه مشاكلنا التي يجب علينا حلها
    يجب أن نكون صادقين جميعاً

    • أتفق معك، و أشكر مرورك أخي محمد :) !

      ألا تنوي العدول عن قرارك ؟ .. تقبل فائق إحترامي.

  • أعتقد أننا نحصل على الحرية عندما لا نخاف من الموت ولا نأبه بجبروت الظالم !

    ربما الجيل السابق كان سبباً في واقعنا الحالي لكن ليس مهماً كونه سبباً أم لا.. المهم أن نفعل الصحيح حتى لا يأتي الجيل القادم ويقول عنا نفس الكلام.. أمامنا الكثير لإصلاحه لذا فلنبدأ بأنفسنا ولنحصل على حريتنا أولاً بعدها سنتمكن من تحويل المستحيل إلى واقع !!

    شكراً لك يا حسن ^_^

    • العفو يا عزيزي، سعدت بتواجدك :) !

  • آثرت ألا أشاهد المقطع، جتى أشاهد الفيلم كاملا واكتشف حبكته، أما بخصوص ما ذكرته أخي حسن فلا ريب في ذلك، ولعل قصة القرود الخمسة خير شاهد ومثال..

    • سيعجبك الفيلم و أنصحك بمشاهدته كاملاً فذلك سيكون أفضل بالفعل …

  • أتفق معك أخ حسن في أن المسئولية او نسبة كبيرة منها تقع علي من ربونا ولكن هل تظن أن سنكون أفضل حالا مع أباءنا … الله المستعان

    بالتوفيق

    • هذا ما أتمناه، لأننا إن لم أكن أفضل فإننا سنبقى محلك سر !

  • “أنا معنديش إستعداد إن ولادي يطلعوا يلاقوا الوضع على ما هو عليه، و مع كامل إحترامي لآباؤنا و أجدادنا إلا أنني لا زلت آراكم أخطأتم”
    مع أن الازدواجية مجرد مشكلة من مشكلات كثيرة تُسأل عنها الأجيال السابقة; إلا أني أؤيدك كثيراً بخصوص الازدواجية والخوف والنفاق والسلبية, التي ما زالت تشكل جزءاً كبيراً من التربية (أنتظر ردك على مؤمن:))

    • قريباً جداً إن شاء الله سأنشر التدوينة …

  • يبدوا أن الجيل السابق في أغلب الدول العربية لديهم نفس المفاهيم !
    دائماً يقولون عبارات من هذا القبيل :
    “لا تضع رأسك في رأس الحكومة” وَ “هذا أمر في “قص” رقااااب ! ” وَ ” خليك على مجنونك , لا يجيك أجن منه ” !

    • لأن الظروف في كل الدول العربية مشابهه تقريباً …

      شكراً لك :) !

  • بمثلك نتغير ان شاء الله
    بالنسبة للمشهد الذي نال إعجابك فهو مازال تمثيل لأنهم لا يملكون سوى صنع أبطال وهميين أما نحن المسلمون فلدينا والحمدلله أبطال عظام استحقوا الحرية وهي ألا تكون عبدا الا لله وحده
    قديما : كان صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم يعذبون أشد العذاب على كلمة ( لا إله إلا الله ) ك: خباب بن الأرت و بلال بن رباح – رضي الله عنهم – وبعضهم استشهد في التعذيب كسمية أم عمار وزوجها رضي الله عنهما -
    حديثا : سيد قطب الذي كان يمكن أن ينقذ نفسه من الإعدام بكلمة اعتذار واحد لعبد الناصر لكنه أبى إلا أن ينقذ نفسه من جحيم الآخرة

  • انا بعشق نهاية الفيلم انا اول مرة ادخل المدونة بس عجبنى كلامك والى وقفنى انك اتكلمت عن الفيلم

  • حسن بص انا بتفق معاك جداا فى الموضوع دة …. بس بصراحة كتير اوى فتحوا معايا نقاش فى الموضوع دة بس كلهم كان بيبقى ليهم السبق فى نهاية الحوار فقط بسبب احاديث الرسول “صل الله عليه وسلم” فى هذا الموضوع ….. بجد نفسى حد يقولى ان الاحاديث دى مش عامة .. ويوجد فرق فى ظلم الشعب و الاستبداد …………… و شكراا

التعقيبات

  1. Tweets that mention عندما نستحق الحرية ! -- Topsy.com
  2. عندما نستحق الحرية !
  3. هل طاعة ولي الأمر واجبة ؟

تتم مراقبة جميع التعليقات قبل نشرها للحفاظ على النظام. الموافقة على نشر تعليق معيّن لا تعني الموافقة على محتواه. جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط. حريّة النقد والرد متاحة لجميع الزوار بشرط أن لا يكون الرد خارج نطاق الموضوع وأن يكون خال من الكلمات البذيئة. تذكّر قول الله عز وجل (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، إذا كنت تعلق لأول مرة يستحسن مراجعة إتفاقية الإستخدام الموجودة في صفحة سياسة النشر، يمكنك ضبط إعدادات صورتك الرمزية من هنا دول الحاجة لأن تكون عضو مسجل في المدونة، اذا كنت تعاني من مشكلة في نشر تعليقك قم بمراسلتنا رجاءاً و فوراً.

إعلانات

مواضيع مميزة

mubarak

Israel

island

pakistan1

pakistan2

jsc

Tahrir

five

صفحة المدونة على الفيسبوك

صفحة المدونة الجديده على الفايسبوك

مساحة إعلانية

المتابعين عن طريق الـ RSS