يا له من أجر وياله من عمل
بعد منتصف الليل وحيثما لا تسمع أذنيك الإ صوت صرار الليل الذي استولى على كل المدينة النائمة فوق الغيوم ، هناك حيث تغني للمطر أحلى الأغاني ، وفي الوقت الذي توجه كل من في البيت إلى الفراش لينام ويستيقظ مبكراً ليرى بديع خلق الخالق سبحانه وتعالى.. قضيت كل ليلي أنظر إليه مستغرباً، مستعتباً، متألماً، بل و حاقداً أيضاً، الساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل والكل في سبات عميق.. و هذا يضيئ شمعته الصغيرة ويفتح النافذة ويقعد بالقرب منها يكتب ويكتب وكثيراً ما يمزق ما كتب وأحيانا يقرأ ما كتب بصوت عالي، عندها فقط تمنيت من الله أن يموت وارتاح منه ولأصدقكم القول أكثر كنت أكرهه من يوم أن عرفته بلا سبب.. هل هي الغيرة؟.. حيث أني لا أتذكر شخصاً أعرفه إلا وأحبه من أول كلمة بل من أول نظرة حتى ، الغريب أكثر أنه كان يحبني كثيراً في الوقت الذي اعتقدت فيه أني عنصر زائد في عالمه.
أقسى حدث يمكن أن تواجهه في حياتك أن تلتفت ولا ترى أحدا خلفك وأن تنادي بأعلى صوتك ليتبخر صوتك في زحام الوجوه الغريبة القاتمة التي أمامك، لايهم!.. بعدما قرأ ما كتب بصوت عالي أطفئ الشمعة وأغلق النافذة عندها تهللت أساريري ثم جلس على السرير ينظر في اتجاه الباب ثم بدأ في البكاء ولم أكن أعرف ما السبب وأستغرب من بكائه إذا هو يبكي فما أصنع بحالي أنا ؟!

وبعد ربع ساعة من البكاء توجه خارجا وفتح باب الفيلا وخرج وأنا أراقبه عبر النافذة بعد أن سرق النوم من عيني ليلقى طفلاً صغيراً يلعب وحيداً بكرته فذهب ولعب معه وكأنه من سنه وبعدها يخرج رجلا يبدو قريبا لطفل الصغير من بيته ويرى منظر الطفل يلعب معه فاقترب منه وسلم عليه وبدا يتكلم معه كل هذا وأنا اراقبه عبر النافذة و دموعي تنهمر على خدي لا أعرف ما السبب وقتها ولكني كنت لا أتوقف عن البكاء فأقفلت النافذة وتذكرت أننا في رحلة للاستجمام لا مكان للدموع فيها وألقيت بالغطاء ليسترني من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، وبعدها بقليل دخل وكان التعب واضحاً عليه فرمى بنفسه في السرير وغط في نوم عميق.
وبعدها وبعد أن هدأ كل شئ قمت من السرير لأفتح النافذة وأفتح الأنوار وأمسك قلمه الغالي الذي لم يجرأ غيري على الاقتراب منه وأقطع ورقة من دفتره وأبدأ في الكتابة ـ كانت تلك أول مرة أكتب فيها مقالة أو خاطرة ما في نفسي ـ وأنظر إليه وإذا به وكأنه ميت بلا حراك أو نفس فأقرأ جزء مما كتبت بصوت عالي فيفتح عينه ويبتسم وعندها ابتسمت ابتسامة المنتصرين الظافرين بأني سرقت نومه كما سرق نومي ،ليأتي الرد القاضي بأن قال بالحرف الواحد (هات أشوف على أيش مصحينا أن شاء الله بس شي يستاهل ولا ترى صباحك طين معايا) تسمرت في مكاني وهو يمد يده ويبتسم ابتسامته التي لم أرى أجمل منها في الوجود وأعطيته الأوراق ليرى قلمه بيدي الشمال فيقول (هات يا حرامي ما يكفي سرقت نومي وكمان تسرق القلم يا مفتري) فأعطيه القلم بصمت غريب كأنني أطرش وبعد أن قرأها بإهتمام أثنى عليها وبدأ ينصحني ويعرفني على وجوه القصور فيها كان قلبي في هذه اللحظات ينصهر وكل شئ بجسمي كان يثور في تلك اللحظة كأن بركان ما بداخلي عاد للحياة مرة أخرى لكي لا أهنئ أنا بطعمها، وفي أثناء نقاشنا الأدبي حيث أني سرعان ما كسرت حاجز الثلج وبدأت أجادله وأخطئه وأصحح له وهو يرد بالمثل أذن المؤذن لصلاة الفجر بتوقيت مدينة أبها البهية فأخذني معه إلى مسجد بعيد جدا عن السكن أستغرق الوصول إليه ربما نصف الساعة فصلينا وبعد الصلاة وبعد أن خرج كل المصلين أستأذن (وليد) المؤذن أن يقرأ القرآن قليلا وبعدها خرج المؤذن وإذا به يلقي نفسه بالأرض وينام ويأمرني أن أصحيه بعد ساعة.
بعدها خرجت لأرى العالم الأخضر من حولي واستنشق الهواء النقي الذي يهب على الجنوب البارد وعندها سمحت لعقلي بالتفكير في الأمر لماذا لا ألعب دور وليد؟ بصورة أخرى هل الحياة حقا تستحق كل هذا الكره والحقد من أجلها والبغض فيها ولها وكم سنعمر في هذه الدار ؟ ستين سنة، سبعين، ثمانين، مائة أكتشفت أن العمر الحقيقي يتكون من جزئين اثنين لا ينفصلان عن بعضهما البعض إن سقط الأول سقط الأخر وهو تحصيل رضا الله وهذه ستجر بالتأكيد تحصيل رضا الناس، وبهذه يعمر الأنسان أكثر من عمره بمرات عديده أو العكس.
هي دعوة الآن غير قابلة لا لتأجيل ولا لتسويف فلنرمي كل ما بنا من مشاكل وهموم وكره وحقد وتكبر وكل شئ ذميم جانبا ولتحل محلها المحبة الطمأنينة والسلام والتواضع وكل شئ محمود فبذلك فقط وليس بكثر أعمالنا وأقوالنا ندخل الجنة كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي يدخل الجنة ليس بعمل فعله أو قول حسن قاله بل لأنه عندما يهم إلى الفراش لا يحقد على مخلوق كان ويسامح كل من أعتدى عليه فيا له من أجر ويا له من عمل.
والسلام عيكم ورحمة الله وبركاته
ياسر الخريمي
عدد التعليقات: 6
عيون صديقة
- الشرق للبرمجيات
- مدونة أحمد
- مدونة أحمد توك
- مدونة أحمد حمودة
- مدونة أيام
- مدونة الخطط العفوية المبدعة
- مدونة المحفوظ
- مدونة المعاصر
- مدونة بدون عنوان
- مدونة حسام الأخرس
- مدونة رامي
- مدونة رقمي
- مدونة زووون
- مدونة شخص
- مدونة عبدالرحمن علي
- مدونة عبيد الكعبي
- مدونة عطر الكلام
- مدونة عمرو
- مدونة فكّر
- مدونة كمونة
- مدونة محمد اونلاين
- مدونة منشور لايف






















جميلة جداً يا ياسر، من أروع ما قرأت لك على الاطلاق، فكرة و أسلوب و تشويق من أروع ما يكون !
دمت بخير.
عين العقل ياعين العقل
تحيتي لك
حقا جميلة كلماتك ونصيحة مثمرة للقلب قبل أي شيء .فالقلب إذا ما حمل الحقد والكره يتحول إلى سواد و يتحول العالم كله إلى نقم و ضغائن ………..جزاك الله خيرا ……….هل هذه الصورة لمدينة أبها؟ رائعة ما شاء الله
كلمات جميلة أخي العزيز فعلا ما اجمل أن ننزع الكره والحقد من قلوبنا ليبقى فقط المحبة والسلام وجزاك الله كل خير على هذه الكلمات المعبرة
روعة صادقة ، نفع الله بك وبه يا حسن .
من اروع ما قرأت لك وانتقائك جميل جدًا ولديك احسااس مرهف
وبأنتظار جديدك مع تمنياتي لك بدوام التوفيق .
وشكراً …!